التخطي إلى المحتوى

على وقع استمرار الاقتتال والصراع الداخلي في ليبيا، تتشكف المزيد من الحقائق والأمور المتعلقة بدور القوى الخارجية في الصراع الليبي وتنافسها السياسي والعسكري في هذا البلد. لم يعد خافياً على أحد أن لكل طرف في الصراع الليبي قوىً خارجية تدعمه بشكل مباشر أو غير مباشر، فحكومة الوفاق الوطني ذات الصبغة الاسلامية والاخوانية تتلقى الدعم بشكل أساسي من تركيا وقطر، وهي الدولتان اللتان تشكلان أساس التيار الاخواني في الدول العربية، بينما يتلقى المشير خليفة حفتر والجيش الوطني الليبي دعماً مباشراً من الامارات العربية المتحدة، مصر، كما تبدو دول كبرى مثل الولايات المتحدةوروسيا وفرنسا أكثر ميلاً الى جانب حفتر أيضاً.

لكن لعل ما يميز موقف الولايات المتحدة من الوضع في ليبيا، هو درجة النفاق والخبث فيه، رغم انها سمات باتت أساسية في سياسة الولايات المتحدة في العالم، فبحسب مقال نشر في صحيفة نيويورك تايمز الاميركية بعنوان (الولايات المتحدة باركت الحرب في ليبيا، ولكن روسيا انتصرت فيها) وذلك في الرابع عشر من نيسان الجاري، فان المشير خليفة حفتر وقبل اطلاق عمليته العسكرية ضد حكومة الوفاق في طرابلس في الرابع من نيسان من العام الماضي، كان قد تحدث مسبقاً مع جون بولتون مستشار الأمن القومي الأميركي حينها طالباً منه دعم هذه العملية، لكن جواب بولتون كان مراوغاً اذ انه اعطى المشير حفتر ما يشبه الضوء الأصفر وليس الأخضر للبدء بالعملية، وطلب من حفتر بالقيام بالعملية بسرعة، دون الاشارة الى دعم مباشر من قبل الولايات المتحدة.

لكن هذا الموقف ليس مستغرباً اذا أخذنا بعين الاعتبار ان الولايات المتحدة وعن طريق استخباراتها تبقي على خطوط تواصل مع العديد من الجماعات الاسلامية الراديكالية والتي تقاتل في صفوف حكومة الوفاق الوطني، وأفضل مثال على ذلك هو ما حصل مع عالم الاجتماع الروسي مكسيم شوغالي ومترجمه الذين تم اختطافهما في أيار من العام الماضي من قبل احدى الجماعات المسلحة الاسلامية الموالية لحكومة الوفاق في طرابلس. فقد تبين وبحسب الصحيفة الأميركية أن الاستخبارات الاميركية كانت تراقب وتتابع عمل العلماء الروس منذ زمن، وهي التي أعطت المعلومات حول مكان تواجد الروس مما أدى لاعتقالهم.

لكن يبدو ان كاتب المقالة في نيويورك تايمز حاول أن يبسط الأمور على الطريقة الاميركية المعتادة! ذلك لأن الروس المختطفين كانوا يتواجدون في طرابلس الخاضعة لسيطرة حكومة الوفاق بشكل قانوني وبدعوة رسمية ويقومون باستطلاعات الرأي والاستبيانات للسكان المحلليين، أي انهم لم يتسللوا الى ليبيا وطرابلس خلسة بل دخلوا بشكل قانوني وعلني.

ومن هنا من المنطقي الاستنتاج ان المخابرات الأميركية لم تقم بمجرد عملية “وشاية” كما زعمت الصحيفة الأميركية، بل قامت باعطاء أوامر مباشرة للجماعات المسلحة باختطاف الروس واقتيادهم الى سجن معيتيقة. وما يؤكد صحة ومنطقية هذا الاستنتاج هو حقيقة أن حكومة الوفاق لها ممثلة رسمية في روسيا حيث وقف عندها ناشطون روس مراراً مطالبين بالافراج عن الروس المختطفين، كما ان الروس كانوا يعملون في طرابلس علناً لعدة أسابيع قبل اختطافهم،وحكومة الوفاق لم تمنعهم من الدخول، وتركتهم يعملون دون قيود طوال تلك الفترة.

وبالتالي من الواضع ان تدخل الاستخبارات الاميركية حصراً هو الذي أدى لاعتقال الروس وانه لم تكن حكومة الوفاق لتقدم على هذه الخطوة المتهورة وبالتالي تخريب علاقتها مع روسيا بهذا الشكل لولا الأوامر الأميركية المباشرة عن طريق استخباراتها.

وما يقطع الشك باليقين حول دور الاستخبارات الاميركية في دعم وتنسيق عمل الجماعات الاسلامية المتطرفة في ليبيا ودورها الأساسي في اختطاف العلماء الروس هو ان حكومة الوفاق لم توجه أي تهم رسمية لهم، لانها تعلم تماماً أن الروس لم يقوموا بخرق أي قوانين وان عملهم كان سليماً لا تشوبه شائبة. لكن حكومة الوفاق والجماعات المسلحة المرتبطة بالاستخبارات الأميركية قامت بتنفيذ الأوامر الأميركية ببساطة دون أي مبررات قانونية. كما أن مجرد حقيقة حصول صحفي نيويورك تايمز على صور للمستندات الخاصة بالمختطفين الروس هو دليل اضافي على الدور الأميريكي في اعتقالهم.

وعلى الطرف الآخر فان الجانب الروسي المعني لا يقف مكتوف الأيدي، فيتم العمل حالياً على فيلم (شوغالي)المبني على وقائع اختطاف شوغالي ومترجمه، والذي سيعرض في شهر أيارليسلط الضوء على عمل علماء الاجتماع الروس في ليبيا، وكما يعد القائمون على الفيلم، فانه سيبرز المزيد من الوقائع والادلة التي تكشف الدور الاميركي التخريبي في ليبيا، وعلاقة الجماعات المتطرفة هناك بالاستخبارات الأميركية، الى جانب الدور الأميركي في عمليةالاختطاف.

صحيح ان لكل دولة كبرى في العالم مصالحها، بما فيها في ليبيا وشمال أفريقيا، وان كل دولة تسعى الى الحصول على النفوذ السياسي والاقتصادي في العالم وانه لا عداوة أو صداقة أبدية في العلاقات الدولية، لكن يبدو ان ليبيا هي مثال آخر على تميز الولايات المتحدة من حيث درجة النفاق السياسي واستمرارها باستخدام الجماعات الاسلامية المتطرفة في تحقيق مصالها وضرب مصالح الدول الأخرى، في الوقت الذي تدعي فيه انها القوة العظمى الوحيدة التي تحارب الارهاب بنجاح حول العالم.

رغم أن استخدام الولايات المتحدة للارهاب ودور الاستخبارات الامريكية القذر هو أمر لم يعد خافياً على الكثيرين، لكن من الجيد أن هذه الحقائق باتت تتسرب الى وسائل الاعلام الاميركية والغربية، وبالتالي لم يعد أحد يستطيع اتهامنا بتبني نظريات مؤامرة خيالية أو معاداة عمياء للولايات المتحدة عندما نتهمها بدعم الارهاب والتطرف، فها هم الاميركيون يعترفون بأنفسهم بهذا.

وأخيراً لا يسعنا الا ان نشكر صحيفة نيويورك تايمز الأميركية على مقالها الذي تعترف فيه بدور الاستخبارات الأميركية باعتقال العلماء الروس وارتباطها بالجماعات المتطرفة في ليبيا، لكن نتمنى منها في المرات القادمة أن تعرض الحقائق كاملةً دون محاولات سخيفة لاخفاء أجزاء منها أو تبسيط للأمور، لا من أجل شيء، لكنمن باب خوفنا على سمعة هذه الصحيفة، فالشعب الأميركي لم يعد ساذجاً كما كان أيام الحرب الأميركية على فيتنام والعراق وأفغانستان، وبات يستحق معرفة كامل الحقيقة دون محاولات للتستر على أي من جوانبها.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *